لماذا.. أنا؟ لماذا لم أفكّر في شخص غيري..؟ ألست أنانيّة..؟

كيف لِشخص أن يُكفّر عن أنانيّته؟

و الأهمّ من هذا.. نتائج أنانيّته.

"إيزادورا!"

كانت إيزادورا جالسة على غصن شجرة عالية جدا، تشاهد غروب الشمس و تفكّر في ما لم تتوقف عن التّفكير به منذ ثلاث سنوات، و سمعت صوت إلينور يناديها.

"إلينور! لقظ عدت!" قالت إيزادورا بصوت عال.

"أجل، أنا هنا! هيا إنزلي و لنعد إلى المنزل."

قفزت إيزادورا من الغصن و هبطت على قدميها بسلاسة.

إيزادورا و إلينور توأمان في التاسعة عشر من عمرهما.

كانت إيزادورا معتدلة القامة و الوزن, كان شعرها أحمرا داكنا يصل طوله إلى صدرها. و كذلك كانت إلينور أيضا.

كان لون عيني إيزادورا عسليا فاتحا، أما عيني إلينور فكانتا سوداوتان قاتمتان.

لكن الفرق ليس بالشيء الكبير.

"إلينور، ماذا فعلت اليوم؟"

"تدريب كالعادة. ماذا عنك؟"

"تدريبات أيضا، لكننا أنهينا مبكرا لأن القائد قال أن لديه إجتماع مع قادة الكتائب الأخرى." قالت إيزادورا.

"تركنا قائدنا مبكرا أيضا و لكننا واصلنا التدريب بمفردنا."

"كما هو متوقع من نخبة الجيش، أفضل كتيبة في زنفالديا كلها."

"أظنك تبالغين قليلا." قالت إلينور بخجل.

"على كل، ماذا قد يكون سبب إجتماعهم يا ترى؟" سألتها إيزدورا.

"لا أعلم.. سيخبروننا إذا كان شيئا مهما. لكن أنت.. بإمكانك أن تعلمي قبل الجميع، فأنت الأقرب إلى قائدكم." قالت إلينور، محاولة أن تزعج أختها.

"غير صحيح، علاقتنا لا تتجاوز علاقة جندية بقائدها." قالت إيزادورا و هي تقلب عينيها.

"هم، سنرى بشأن ذلك. حتى قبل أن يصبح أوجين قائدا كنتما مقربين جدا."

"هذا ليس موضوعنا الآن، إنسي الأمر." أجابتها إيزادورا.

-في الغد-

إستيقظت إيزادورا كعادتها في الصباح، و ذهبت إلى ساحة التدريب بمفردها، لأن إلينور كانت تقصد ساحة التدريبات الخاصة عند طلوع الشمس.

عندما وصلت إلى المكان، كان مليئا بزملائها و زميلاتها من الجنود.

كان الجنود يرتدون سراويل عسكرية بلون أزرق داكن، و قمصان سوداء بدون أكمام، و كل جندي يربط شريطا أسودا على ذراعه يحتوي على شعار الجيش، و الشعار كان على شكل معين.

هناك ثلاث رتب في الجيش، إذا كان المعين في الشعار أبيضا، فإن حامله مازال مبتدئا، و إذا كان ذهبيا، فإنه من النخبة، و إذا كان أحمرا فهو قائد لإحدى الكتائب.

و كانت إيزادورا لا تزال مبتدئة، على عكس إلينور التي إلتحقت بالنخبة منذ سنتين.

وضعت إيزادورا حقيبة ظهرها مع الحقائب الأخرى على الأرض ثم جلست على صخرة منخفضة و ظلت تحدق حولها.

مرت في ذاكرتها بعض الذكريات من يومها الأول في الجيش منذ ست سنوات، أجل، كان عمرها ثلاثة عشر فقط عندها. فقد أجبرت هي و أختها التوأم على الإلتحاق بالجيش لأن والدهما كان قائدا لإحدى الكتائب و أجبرهما على ذلك.

كانت الكتيبة التي تنتمي إليها إيزادورا بقيادة القائد أوجين تتكون من عشرين فريقا, كل فريق يضم خمسة أفراد بإستثناء فريق إيزادورا الذي لم يجد تعويضا للعضو الذي فقده في الحرب قبل ثلاث سنوات.

"القائد هنا، هيا إستعدوا."

"إصطفوا بسرعة، القائد أوجين قادم."

نهضت إيزادورا بسرعة و إصطفت مع أعضاء فريقها: لابيس, هايزل و سيركانو.

"صباح الخير." همست إيزادورا.

"أهلا." أجابتها هايزل بينما إكتفى سيركانو و لابيس بالإبتسام.

عندما دخل أوجين، القائد، وقف الجنود بإستقامة و قاموا بآداء التحية العسكرية.

"طاب يومكم أيها الجنود! لدي بعض الأخبار الجديدة." قال القائد بعد أن جال ببصره بين الصفوف.

ضجت الصفوف فجأة بالكلام و الهمس و حركات تعجب.

"يكفي الآن و إسمعوني جيدا." أضاف القائد حتى يجذب إنتباه الجميع ثم واصل: "تذكرون ما حصل قبل ثلاث سنوات عندما هجمت علينا قوات يوتوبيا دون أي سبب و دون أي سابق إنذار."

لم يتوقع القائد إجابة لذلك فإنه قال:

"جيش يوتوبيا هاجم زنفالديا في نصف يوم، قام بأعمال شغب و فوضى في كل مكان و سبب لنا تشتيتا و بعض الخسائر التي تعلمونها."

إمتلأ المكان بالهمس و الضجيج مجددا، لأن الجميع يعلم أنه يقصد آيريس، الفتاة التي كانت في فريق إيزادورا.

"إسمعوني جيدا إذن." قال القائد بصوت مرتفع فصمت الجميع.

"سنرد لهم الهجوم!"

وضعت إيزادورا يديها على فمها و فتحت عينيها بشدة، و لم تكن ردة فعل الجنود الآخرين مختلفة عن ردة فعلها.

الجميع يعلم أن قوات يوتوبيا العسكرية أقوى من قواتهم بعشرات المرات، لذلك فإن الهجوم عليهم سيكون بمثابة دفن لزنفالديا و جميع جنودها.

"أراهن أن أغلبكم يفكر في إنعدام فرصنا أمامهم، لكن لا تقلقوا، أنا و قادة الكتائب الأخرى و القائد الأعلى قد تعاهدنا على فعل ما بوسعنا لإنجاح هذا الهجوم. يوتوبيا قد نقضت معاهدة السلام بدون أي دافع ظاهر، و هذا لا يغتفر."

"الخطة جاهزة، كل ما ينقصنا الآن هو القوة العسكرية و القدرة على التعامل مع الأوضاع اليائسة. لدينا ستة أشهر منذ الآن، إلى حين تجهيز الكمية اللازمة من الأسلحة و المعدات. الباقي عليكم!"

"و الآن، إنصرفوا إلى التدريب!"

أدى الجنود التحية مرة أخرى و صرخوا معا: "أجل!"

إنصرف كل فريق إلى التدريب، و بقي القائد في مكانه ينظر في الأرجاء.

"هيا إيزادورا!" نادتها هايزل و قد إبتعدت مع الآخرين.

كانت هايزل فتاة طويلة القامة، شعرها البني الطويل كان مربوطا إلى الخلف، عيناها خضراوتان و بشرتها سمراء.

"قادمة." قالت إيزادورا و إنضمت إليهم.

"فلنرتدي أجهزة الإرسال و نبدأ، انظروا إلى الفرق الأخرى ستتفوق علينا." قال سيركانو، و كان هذا الفتى طويل القامة و قوي البنية، شعره بلاتيني مسرح إلى الخلف، و عيناه زرقاوتان كلون السماء.

"هيا جميعا لنبدأ." قال لهم لابيس، و كان قائدا لفرقتهم.

لابيس هو أقوى عضو في فريقهم، كان في نفس طول إيزادورا، شعره أسود تصل أطرافه إلى عنقه، و عيناه رماديتان.

صمت ثلاثتهم و دخلوا منطقة التدريب التي كانت عبارة عن غابة تحتوي على مختلف أنواع الأشجار و التضاريس يسلكونها معا، و تعترضهم الفرق الأخرى، أي أن التدريب عبارة عن قتال بين الفرق، حتى و إن كانوا لا يستخدمون أسلحة حقيقية في التدريب بل مجرد مسدسات تطلق كرات بلاستيكية.

التدريب ليس معركة بقاء للأقوى، لكنه يركز على مضاعفة قدرة الفرد على الهجوم و الدفاع بنفس الكفاءة، و أهم شيء، تعزيز العمل الجماعي.

"حسنا يا هايزل، إنني أرى أربعة أشخاص قادمين في إتجاهك من الشمال، و إنهم سريعون جدا." قالت إيزادورا التي كانت فوق أعلى نقطة في إحدى أشجار الصنوبر.

"علم، أظن أنني أراهم الآن، أعتقد أنها فرقة زوتيري، و لكن أين الخامس؟" قالت هايزل.

"إحذر، قد يخرج من أي مكان. لابيس سيأتي لتغطيتك. لابيس، هل تسمعني؟" قالت إيزادورا.

"لابيس هنا، أنا في المكان، لا تقلقا."

"جيد، سيركانو هل تسمعني؟ سنذهب أنا و أنت لنهاجم فرقة فوهلار، فلنلتقي أسفل الصنوبرة الحمراء، لقد رأيتهم هناك منذ لحظة." قالت إيزادورا و قد بدأت تقفز من غصن إلى آخر حتى تنزل.

"عُلم و لكن، لقد إشتبكت مع فرقة فوهلار بالفعل، أنا الآن أواجه فوهلار و لويس و شالماك، و قد نفذت مني الذّخيرة." جاء صوت سيركانو ضبابيا و غير واضح.

"ماذا؟ سحقا! أصمد قليلا أنا قادمة فورا. أين أنت؟"

"عشر أمتار جنوب الصنوبرة الحمراء." قال سيركانو. "لا تقلقي سأكون بخير."

"بالتأكيد ستكون بخير."

قفزت إيزادورا من آخر غصن إلى الأرض بسرعة و بدأت تجري بأقصى سرعتها.

"هايزل، هنا إيزادورا. كيف الحال عندكم؟" قالت إيزادورا و هي تجري بين الأشجار.

"سيطرنا على الوضع تقريبا، لابيس تمكن من إسقاط إثنين منهم، و أنا على وشك الإشتباك مع آخر، ماذا نفعل عندما ننتهي من فرقة زوتيري؟" قالت هايزل و قد كانت تتسلق إحدى الأشجار بسرعة بالغة و تصوّب بالمسدس نحو إيدرول القادم نحوها.

"إنضما إلينا، عشر أمتار جنوب الصنوبرة الحمراء، نحن نواجه فرقة فوهلار." قالت إيزادورا.

"هذا سيء، سنأتي فورا."

وصلت إيزادورا إلى المكان فإختبأت خلف إحدى الأشجار و رأت سيركانو محاصرا بثلاثة أشخاص.

ماذا تفعل؟ إن إنتظار الدعم سيكون أفضل حل، لكنه لن يضمن صمود سيركانو لمدة أطول.

تفقدت إيزادورا أمتعتها، كان لديها قنابل دخان رمادي، بالإضافة إلى المسدس و ذخيرته من الكرات.

لحسن الحظ، كانت المنطقة مغطاة بأعشاب طويلة، و قد لاحظت إيزادورا ذلك و حاولت أن تستغله في صالحها.

أخرجت قنبلة دخان صغيرة من جيب سروالها و جثت على ركبتيها.

"لا تحاول أن تتحرك، سننتظر وصول زملائك لنطيح بكم كفريق واحد." قال أحدهم، و عرفت إيزادورا من صوته أنه فوهلار.

"لن ننتظر طويلا على كل حال، فأنتم تنقصون عضوا. أووه، هذا مؤسف، لقد كانت آيريس فتاة طيبة حقا." كان ذلك لويس، عرفته إيزادورا من نبرته الساخرة.

بدا الغضب و الصدمة على وجه إيزادورا، و بدأت يداها ترتجفان.

أما سيركانو فإنه أحكم إغلاق قبضته و قال بغضب:

"بأي حق تتكلم عن آيريس أيها الوغد؟ أنت لا تدرك شيئا."

"توقف عن الململة و واجه الواقع." قال لويس بجدية. "هل كان سيحصل ذلك لو أنها كانت في فريقنا؟ لا أعتقد ذلك.. لأنكم مجموعة من الحمقى عديمي المسؤولية." أضاف بنبرة باردة.

كان لويس فتى طويل القامة ضعيف البنية، لكنه قوي و حاد الذكاء، ربما أذكى حتى من لابيس.
شعره أسود فاحم طويل و عيناه بنيتان.

"يكفي يا لويس." قال له شالماك الذي كان واقفا بجانبه.

"على كل، إنه يقول الحقيقة." قال فوهلار بعدم إهتمام. "آيريس لم تستحق ما حصل لها."

بلغ غضب إيزادورا حده، فدحرجت قنابل الدخان داخل الأعشاب واحدة تلو الأخرى، أمام كل واحد من الثلاثة دون أن يلاحظها أحد.

أما سيركانو فإنه نهض بإنفعال و ركل لويس بقوة على إحدى قدميه حتى كاد يكسر عظامه.

صدرت من لويس صرخة مكتومة ثم سقط على الأرض، لكن نظرته الباردة لم تغادر وجهه.

ثم إلتفت سيركانو إلى فوهلار و لكمه في وجهه بقوة حتى كاد يسقط على الأرض.

"واحد، إثنان، ثلاثة.. و.."

إنفجرت قنابل الدخان فلم يعد أحد من الموجودين هناك يرى أمامه. إنطلقت إيزادورا في إتجاه سيركانو و سحبته من ذراعه نحو الشجرة التي كانت مختبئة خلفها.

"تبا! لم أره يلقي القنبلة، كيف حصل هذا؟" صرخ شالماك.

"فلتنس أمره، علينا أن نسعف لويس." قال فوهلار بعصبية و هو يضع يده على خده المتورم.

"شكرا إيزادورا." قال سيركانو.

"لا تشكرني، أنت أيضا قمت بعمل رائع."

"هنا لابيس، نحن في المكان. أين أنتما." جاء صوت لابيس من جهاز الإرسال.

"هنا إيزادورا، انظرا بين الأشجار، سترياننا خلف شجرة التين." قالت إيزادورا بصوت منخفض.

"حسنا إبقي معي.." "رأيتكما."

"ماذا فعلتما؟" سألتهما إيزادورا عندما وصلا بجانبهما خلف كرمة التين.

"تمكنت هايزل من إلحاق حرق طفيف بذراع إيدرول بعد أن إستغلت شعاعا من الشمس فوق الشجرة و قطعة بلور نزعتها من ساعة يدها." قال لابيس.

"يا إلهي هايزل أنت مذهلة." قال سيركانو.

"أحسنتِ فعلا لقد نلت إعجابي." قالت إيزادورا. "سيركانو أيضا ألحق ضررا بليغا بقدم لويس."

"أحسنت، إنه يستحق." قالت هايزل.

"لو كنت مكانك لكسرت كلتا قدميه." قال لابيس.

"بل و ذراعيه أيضا." أضاف سيركانو، لأنه يعرف أن لابيس كان أكثر واحد يغضبه موضوع آيريس.

"حسنا إذا، دعونا لا نفترق مجددا. إتفقنا؟" قالت هايزل.

"إتفقنا." قال ثلاثتهم معا.

"فلنواصل التقدم إذا. و كما قالت هايزل، لن يبتعد أحد عن المجموعة، سنحمي ظهور بعضنا و نستمر في التقدم. واضح يا إيزادورا؟" قال لابيس.

"واضح." قالت إيزادورا.

فهمت إيزادورا قصده، فقد إرتكبت خطأ من هذا النوع قبل ثلاث سنوات في الحرب.

و هو ما تسبب في مقتل آيريس.

أخذ الأربعة يركضون بسرعة بين الأشجار.

و بدأت الذكريات التي لا ترغب إيزادورا في تذكرها تظهر في عقلها تباعا.

فحاولت جاهدة أن تقاومها..

كلا.. لا أريد أن أتذكر.. لا أريد أن أرى ذلك مجددا..

أريد أن أنساه..

لا أريد أن أتذكر ما حصل..

-قبل ثلاث سنوات-

كانت فرقة لابيس متجهة إلى حدود القاعدة ب7، لم يكن الهجوم متوقعا أو مبررا أبدا، لكنهم سيدفعون ثمنا غاليا إذا تمكن العدو من إختراق جميع القواعد.

"من الأفضل لكم أن تسرعوا لأن العدو إقتحم القاعدتين ب2 و ب6."

جاء هذا الأمر في أجهزة إرسال كل واحد منهم.

"هذا سيء، لماذا يهجمون هكذا في وضح النهار؟ المدينة مكتضة و سيصاب الكثيرون." قال سيركانو.

"لا مجال للتخاذل، فلنسرع." قالت آيريس.

"أجل!" صرخ خمستهم معا و واصلوا الركض.

كانت آيريس أصغر من إيزادورا و الآخرين بسنة. كانت قصيرة القامة، شعرها أشقر مجعد، و عيناها خضراوتان.

كان الطريق طويلا و خاليا، بدأت التضاريس تتغير و هو ما يدل على دخولهم إلى القاعدة ب7.

لم يتم إقتحام البوابة بعد، مما يعني أن مهمتهم تقتصر على حماية البوابة و منع إقتحام القاعدة.

"يبدو الوضع جيدا." قال لابيس. "هنا لابيس من القاعدة ب7، الوضع تحت السيطرة هنا. حول."

"مهلا، أليست تلك فرقة فوهلار هناك؟" قالت إيزادورا و هي تنظر إلى الشمال و تحجب عينيها من الشمس.

"يبدو أنه قد تم إرسالهم قبلنا إلى هنا." قالت هايزل.

"ماذا؟ القائد قال أن القاعدة خالية." قال لابيس.

تقدمت فرقة فوهلار و كانت تتكون من أربعة أولاد و فتاة واحدة: فوهلار، شالماك، لويس، ميليسا و أدونيس.

"جيد أنكم أتيتم، إتصل بي القائد أوجين الآن و أخبرني أن الوضع غريب." قال لويس.

"غريب؟ ماذا يعني ذلك؟" سألته آيريس.

"قيل أن العدو لا يهاجم في القواعد التي يقتحمها." أضاف لويس.

"القائد سيمر من هنا بعد قليل ليشرح الوضع و يملي علينا الأوامر الجديدة." قال فوهلار.

"هذا لا يبشر بالخير، ما معنى عدم هجومهم؟" قال سيركانو.

"إهدأ، سنكتشف الأمر عندما يصل القائد." قال لابيس.

"المهم ألا نرخي دفاعنا و نواصل حماية البوابة." قالت هايزل.

صعدت فرقة فوهلار و فرقة لابيس معا فوق السور و ظلوا واقفين يراقبون المنطقة من كل جهة، لا شيء غريب، لكن الضوضاء كانت قادمة من مكان غير بعيد.

"هنا القائد أوجين، لابيس هل تسمعني؟"

"هنا لابيس، أسمعك سيدي." قال لابيس.

"لقد وصلت، فلينزل جميعكم حتى أشرح لكم الوضع."

"علم سيدي."

نزل الجميع من السلالم التي داخل السور فوجودوا القائد في إنتظارهم.

كان القائد أوجين طويل القامة قويا، شعره بني داكن تصل أطرافه إلى عنقه و عيناه زرقاوتان، كما أن ملامحه لينة و طباعه متسامحة.

"فوهلار؟ ماذا تفعلون هنا؟" قال أوجين و هو ينظر إليهم بحاجبين معقودين.

"أنت من طلب إلينا أن نأتي إلى هذه القاعدة سيدي. هذا ما قاله شالماك." قال فوهلار.

"ما قلته لشالماك هو إذهبوا إلى القاعدة ب4." قال القائد.

"حقا؟ يا إلهي أنا آسف حقا." قال شالماك و قد بدا متوترا جدا و خائفا. "سامحني أيها القائد و لا تعاقب غيري، لأن رفاقي كانوا يتبعون كلامي لا غير. أنا المخطئ."

"أوقف هذا فورا يا شالماك، خطؤك ليس مميتا، و ربما قد فعلتم حسنا بالقدوم إلى هنا." قال القائد أوجين.

"حقا؟ شكرا لك سيدي." قال شالماك بسعادة ظاهرة.

"إذا." قالت إيزادورا و هي تنظر إلى القائد. "ما الجديد سيدي؟ سمعنا أن العدو لا يهاجم." سألته.

"أجل، لقد مررت بجميع القواعد و وصلت إلى هنا الآن، إسمعوني جيدا، لا أحد يفهم المغزى من هذا الهجوم، فهم لم يقتحموا سوى القاعدتين ب2 و ب6."

"و كيف الوضع عندهم؟ ألا يجدر بنا أن نذهب إلى هناك و نوفر لهم الدعم؟" قال سيركانو.

"كلا، إنهم بخير تقريبا، لم يتأذ أحد بشكل سيء، لكن لا ضمان لعدم إقتحامهم إحدى القواعد الأخرى."

"هذا يعني أن الخيار الأفضل هو حماية جميع القواعد بنفس الكيفية و عدم الإستخفاف بالعدو." قالت آيريس.

"أجل، بالضبط." أجابها أوجين.

"لكن هدفهم لا يزال غامضا، علينا أن نتوقع الأسوء." قال لابيس.

"لا أظن ذلك، لو كانوا يهدفون لشيء لأطاحوا بعدد كبير منا." قال لويس.

"و ما أدرانا بصحة تخمينك؟" قالت هايزل.

"توقفوا عن التخمين، فلتعودوا إلى.." قال القائد ثم توقف فجأة، وردته رسالة ما.

"ماذا حصل؟" سأله فوهلار.

"لحظة واحدة.." قال القائد و هو يرفع سبابته و يعقد حاجبيه. "أوجين معك، مالذي يحصل؟"

مرت ثوان تغيرت بعدها نظرة القائد. أصبحت نظرته مضطربة و مرعبة لا تبشر بالخير.

"ماذا هناك سيدي؟" سألته هايزل بتوتر، و كذا كان البقية.

إبتلع القائد ريقه ثم قال:

"إنسحبت قوات العدو من جميع القواعد، و تكتلت جميعها في القاعدة ب3." قال أوجين.

بدا الفزع على وجه إيزادورا. هذا أسوء ما يمكن أن يحصل.

لماذا؟ كيف؟ ما العمل؟ ما العمل؟

"ب، ب3؟" قالت بتلعثم ثم أضافت: "إلينور!"

ركضت إيزادورا و صعدت السلالم إلى السور، و في طريقها سقط منها جهاز الإرسال الخاص بها.

و كان البقية ينظرون إليها بصدمة و إضطراب، غير فاهمين لما يحصل.

"إيزادورا؟ أين تذهبين؟" صرخ سيركانو.

"لن أسمح بموت أختي!" صرخت إيزادورا و قد بدأت عيناها تدمعان.

عندما وصلت فوق السور، بدأت تركض بأقصى سرعة حتى تصل إلى القاعدة ب3 و تتمكن من إنقاذ أختها التوأم.

"الذهاب هناك سيكون بمثابة إنتحار.. مهلا، إنتظري!" صرخت آيريس، لكن إيزادورا لم تسمع شيئا.

"إيزادورا! لا تذهبي!" كان ذلك أوجين يصرخ عليها.

"هذا أمر! إيزادورا!" ظل يصرخ مجددا لكنها لم تسمعه.

لأن إيزادورا..
لن تسمح بهذا، هذا لن يحدث و هي حية.. ستنقذها بالتأكيد.. ستنقذ أختها التوأم مهما كلفها ذلك..
حتى و لو كانت ستموت.. فذلك أفضل من حياة لا تكون فيها.

لكن إيزادورا.. لم تعلم أنه، بنفس خوفها على أختها و إهتمامها بها، كان هناك أشخاص يهتمون بها هي أيضا، و لم يكونوا ليسمحوا بذهابها إلى موتها هكذا.

"أليس والد إيزادورا هو قائد الكتيبة التي فيها فرقة إلينور؟ ستكون بخير أليس كذلك؟" قال لويس.

"إيزادورا لن تكون بخير لوحدها. أنا سألحق بها." قالت آيريس ثم صعدت السلالم إلى السور بسرعة.

"كلا يا آيريس، فلنبقى هنا و نحمي القاعدة!" قال لابيس بصوت مرتفع.

لكن آيريس قد إبتعدت كثيرا، فهي سريعة جدا.

"سحقا! ماذا علي أن أفعل؟" قال لابيس و قد أصبح وجهه شاحبا.

و فجأة، بدت ملامح الدهشة على وجوه الجميع لما رأوه حينها.

جميع فرق الجيش من الكتائب الأخرى تتكتل في القاعدة ب7.

إمتلأت القاعدة في غضون ثوان بالعديد من الجنود، يمكن الجزم أن جميع جنود زنفالديا قد تجمعوا في القاعدة ب7.

"ماذا يعني هذا أيها القائد؟" صرخ سيركانو.

"سنعلم حالا. ماذا يحصل يا برايس؟" تكلم أوجين في الإرسالي.

"تم إعلامنا بأن العدو إنسحب من جميع القواعد حتى يقتحم هذه القاعدة، لذلك فقد إتفقنا على أن نجتمع هنا و نحمي المكان." جاءت الإجابة إلى أوجين.

إرتسمت ملامح الصدمة على وجه أوجين و جف حلقه.

"ماذا؟" قال بتلعثم.

"ماذا حصل أيها القائد؟" سألته هايزل بإضطراب.

"فخ.. إنه فخ. لابيس، هايزل و سيركانو! لاحقوا آيريس و إيزادورا و أوقفوهما مهما تطلب الأمر، لا تتركوهما يصلان إلى القاعدة ب3 مهما حصل!" أمرهم أوجين بعصبية.

"حاضر!" صرخ ثلاثتهم و صعدوا فوق السور بسرعة و ركضوا في الإتجاه الذي إختفت فيه آيريس.

"لم أعد أفهم أي شيء! لماذا تم إخبار القائد كذبا؟ و ما هدف العدو من إبعادنا عن القاعدة ب3؟" قال سيركانو بتوتر.

"هذا لا يهم، ليس و كأننا نحتفظ بأسرار الدولة هناك، الأهم هو أن نوقف الفتاتين و نحميهما." قال لابيس بحزم.

"آمل أن نصل في الوقت، أتوقع أن تتجه جميع الفرق إلى القاعدة ب3 الآن." قالت هايزل.

"أجل، على الأرجح.. هك!" توقف لابيس عن الكلام و الركض في نفس الوقت، و شهق بقوة أمام المنظر الذي رآه.

توقف الآخران عن الركض أيضا.

"آيريييس!" صرخت هايزل بفزع.

"هذا لا يعقل." قال سيركانو بإضطراب.

جثا لابيس على ركبتيه بضعف و قد شحب وجهه.

ركض سيركانو و هايزل بإتجاه الجسد الضئيل الملقى على أرض السور، كانت آيريس مستلقية على ظهرها فوق بركة من الدماء، وجهها أزرق و عيناها فارغتان.

"آيريس! يا إلهي هذا فظيع!" صرخت هايزل و بدأت تبكي.

"آيريس، أنا آسف.. أنا آسف.." قال سيركانو و هو يحاول منع دموعه من الإنهمار.

إقترب لابيس منهما و هو يمشي بتثاقل، ثم جثا بجانبهما و نظر إلى الجسد الخالي من الروح التي أحبها، و الوجه الخالي من الملامح التي تعجبه، لم يعجبه ما يراه الآن..

لا يريد أن يرى هاتين العينين خاليتين من بريقهما المعتاد.. لا يريد.

أمسك بيدها المثلجة المغطاة بالدماء الجافة، و وضعها على جبينه ثم بدأت الدموع تتجمع في مقلتيه.

"آيريس، سامحيني، سامحيني لأنني لم أقو على حمايتك.. و لم أقو على أن أقول لك أنني.. أنني.. أحبك." قال لابيس بنبرة ضعيفة حزينة.

ما كان يجب أن يحصل هذا.. كيف حصل هذا..؟ لا أحد يعلم.

"لابيس، لابيس، هنا أوجين، سنصل قريبا إلى القاعدة ب3. كيف الوضع عندكم."

لم يكن لابيس واعيا كفاية حتى يجيب على كلام القائد.

"لابيس؟ أتسمعني؟" "هايزل؟ ماذا حصل؟ أين أنتم؟"

"أيها القائد، نحن بخير، سنخبرك بكل شيء لاحقا. لكن فقط.. تأكد من أن إيزادورا بخير، أرجوك." قالت هايزل بصوت ضعيف.

"حسنا، تعالوا إلى ب3 سنلتقي هناك. و إشرحوا لي الأمر." قال القائد ثم إنقطع الإتصال.

"إنه يطلب منا التقدم إلى ب3. فلنذهب." قالت هايزل.

تبادل ثلاثتهم النظرات لدقائق ثم نهضوا معا، أسدل لابيس جفون آيريس ثم حمل جثتها فوق ظهره برفق.

"فلنذهب و ننهي هذا الهراء." قال لابيس بصوت بارد.

ثم واصل ثلاثتهم الركض فوق السور نحو القاعدة ب3.

و هذا هو ما حصل.

و لا حاجة لوصف ردة فعل إيزادورا عندما علمت بما حصل.

-الحاضر-

كانت إيزادورا لا تزال تركض بين الأشجار في ساحة التدريبات مع أصدقائها.

إنتهت تلك الحادثة بمأساة. فعلا، تم إنقاذ إلينور، و لم تسقط العديد من الأرواح..

تم تسجيل الحادثة على أنها خطأ في تبادل المعلومات، و لم يجد أحد دليلا واحدا على سبب مقتل آيريس.

لكن بالنسبة إلى إيزادورا و أصدقائها، فإن خسارة آيريس كانت تعادل خسارة ذراع أو ساق.

أما ما كانت تقلق حياله إيزادورا فهو ليس كره زملائها لها لما حصل بسببها، رغم أن لابيس و هايزل و سيركانو لم يكرهوها أبدا، و لم يلقوا اللوم عليها.

لذلك فإن ما يقلق إيزادورا هو إكتشافها.. كم أنها أنانية لتضحي بروح من أجل إنقاذ روح أخرى..

كم هو صعب.. تقبل الواقع و عدم القدرة على الرجوع بالزمن، لكن لو كان ممكنا، فإن إيزادورا كانت لتمنع آيريس من اللحاق بها..

لو أنها فكرت في شخص غير إلينور في تلك اللحظة..

حياة تنقذ، و في المقابل حياة تموت..

و حياة أنانية تسعى للنجاة.

~يتبع..